فصل: مسألة التبييت في كل ليلة في صيام رمضان للمسافر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة يحلف بالله أو بالطلاق أو غيره أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا:

وقال في الذي يحلف بالله، أو بالطلاق، أو غيره، أن يصوم غدا، فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا: إنه لا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه لا شيء عليه إذا أكل ناسيا، أي: لا حنث عليه؛ بخلاف ما لو أصبح مفطرا ناسيا ليمينه، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع- متعمدا، أو في رمضان ناسيا، لما جاء في ذلك، وقد مضى ذلك في رسم اغتسل على غير نية من سماع ابن القاسم، وقد تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الأيمان بالطلاق- ومضى من كلامنا عليها هناك ما فيه زيادة بيان.

.مسألة إفطار صاحب الخوى الشديد:

وقال في الأرعن يصيبه الضربان من الخوى: أهو مرض من الأمراض إن جاءه من ذلك ما يحتاج معه إلى الفطر في رمضان؟ فذلك له، وهو مرض من الأمراض. وأرخص مالك لصاحب الخوى الشديد أن يفطر، ويتداوى إذا ألجئ إلى ذلك.
قال محمد بن رشد: قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] فللمريض أن يفطر وإن كان قادرا على الصوم- إذا أجهده الصوم باتفاق، أو كان لا يجهده، إلا أنه يخشى أن يزيده في مرضه- على اختلاف، فصاحب الضربان يجهده الصيام، وصاحب الخوى يخشى أن يزيده في مرضه تأخير العلاج إلى الفطر، فلذلك قال فيه: إنه رخصة- والله تعالى أعلم.

.مسألة أصبح في الحضر صائما في رمضان ثم بدا له أن يسافر:

قال ابن القاسم: ولو أن رجلا أصبح في الحضر صائما في رمضان، ثم بدا له أن يسافر، فتأول أنه له الفطر، فأكل قبل أن يخرج، ثم خرج فسافر، لم أر عليه إلا قضاء يوم؛ لأنه متأول.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة اختلف فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أن عليه القضاء والكفارة، سافر أو لم يسافر. والثاني: أن عليه القضاء ولا كفارة عليه، سافر أو لم يسافر. والثالث: الفرق بين أن يسافر أو لا يسافر، والرابع: أنه إن أكل قبل أن يأخذ في أهبة السفر كفر، سافر أو لم يسافر، وإن أكل بعد أن أخذ في أهبة السفر، كفر إن لم يخرج. وأظهر الأقوال: ألا كفارة عليه بحال؛ لأن الكفارة إنما هي تكفير للذنوب، ومن تأول فلم يذنب، وإنما أخطأ، والله تعالى قد تجاوز لأمة نبيه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عن الخطأ والنسيان، وعما استكرهوا عليه. ووجه قول من أوجب عليه الكفارة في شيء من ذلك، هو أنه لا يعذره بالجهل إذ كان ذلك عنده من الأمور البينة التي لا يسع أحدا جهلها، فإذا لم يتعلم وكان يلزمه أن يتوقف حتى يسأل، فإذا لم يفعل فإقدامه عليها قبل أن يسأل، يوجب عليه الكفارة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. ولابن القاسم في المجموعة: أن من أراد سفرا فحبسه مطر فأفطر، فإنه يكفر؛ لأنه من التأويل البعيد.

.مسألة احتجم في رمضان فتأول أن له الفطر فأكل:

قال ابن القاسم: من احتجم في رمضان، فتأول أن له الفطر فأكل؛ فليس عليه إلا قضاء ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: أوجب عليه ابن حبيب في الواضحة الكفارة، ورآه من التأويل البعيد، وهذا من معنى ما تقدم القول فيه- وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة جعل عليه صيام يوم الخميس والإثنين فأصبح يوم الخميس وهو يظنه الأربعاء:

ومن كتاب جاع فباع امرأته:
قال: وقال مالك: من جعل عليه صيام يوم الخميس والإثنين، فأصبح يوم الخميس- وهو يظنه الأربعاء، فلم يأكل حتى علم، قال مالك: يصوم ولا شيء عليه، ويكفيه إيجابه على نفسه أولا في نيته؟ قال: ولو أصبح يوم الأربعاء صائما وهو يراه الخميس ثم علم بذلك، فإن عليه أن يتمم ذلك اليوم ويصوم الخميس؛ قيل لمالك: فلو جاوز يوم الخميس، فلما كان يوم الجمعة أصبح صائما وهو يراه يوم الخميس، قال: يجزئه من يوم الخميس.
قال محمد بن رشد: هذه ثلاث مسائل قد مضى القول على المسألة الأولى منها في رسم سلف قبل هذا، وعلى المسألة الثانية في أول رسم من سماع ابن القاسم، وإيجاب ابن القاسم عليه في المسألة الثانية أن يتمم ذلك اليوم يدل على أنه إن أفطره وجب عليه القضاء خلاف قول أشهب في المدونة.

.مسألة كان في أرض العدو فعمي عليه رمضان وكان عليه صيام شهر نذره:

وقال مالك: فيمن كان في أرض العدو فعمي عليه رمضان، وكان عليه صيام شهر نذره، فصام رمضان لنذره- وهو لا يراه رمضان، ثم تبين له؛ قال: لا يجزئه لرمضان ولا لنذره.
قال محمد بن رشد: أما قوله لا يجزئه لرمضان فبين؛ لأنه لم ينو به رمضان، ولا تكون الأعمال إلا بالنيات. وأما قوله ولا لنذره، فيدخل ذلك الخلاف من مسألة الذي صام رمضان قضاء عن غيره، وسيأتي القول عليها في أول سماع يحيى، وبالله التوفيق.

.مسألة جعل على نفسه صيام الخميس فأصبح مفطرا وهو يراه الأربعاء:

وسئل: عن الذي يجعل على نفسه صيام يوم الخميس فأصبح يوم الخميس مفطرا- وهو يراه الأربعاء، فأكل وشرب، ثم تبين له أنه الخميس، أيكف عن الطعام في بقيه يومه؟ قال: نعم، يكف عن الطعام في بقية يومه، وعليه القضاء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على أصولهم في أن حكم صيام النذر المعين في الوجوب، كحكم صيام رمضان، إلا في وجوب الكفارة على من أفطر متعمدا، وبالله التوفيق.

.مسألة يصوم رمضان فينوي به قضاء رمضان قد كان أفطره:

من سماع يحيى بن يحيى من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب الصلاة:
قال يحيى: قال ابن القاسم، في الرجل يصوم رمضان فينوي به قضاء رمضان قد كان أفطره في سفر، أو مرض، قال: لا يجزئ عليه لشهر رمضان عامه ذلك، ولا للذي نوى صيامه قضاء عنه. وعليه أن يبتدئ قضاء الشهر الذي أفسد صومه بما نوى، وقضاء الأول الذي كان أفطره في مرض أو في سفر؛ لأنه أفسد الآخر حين نواه قضاء لما كان عليه من الصوم، ولم يجز عنه في القضاء؛ لأن رمضان لا يكون قضاء عن غيره.
قال محمد بن رشد: هذا هو قول مالك في رواية أشهب، وعلي بن زياد عنه، وقول أشهب وسحنون وابن حبيب، واختيار أحمد بن خالد وابن المواز: أنه لا يجزئه عن واحد منهما؛ لأن رمضان صومه مستحق لعينه، فلا يصح أن يقضى فيه غيره، ولأنه نوى به قضاء غيره، فلا يجزئه عن فرضه، وزاد ابن المواز أنه يكفر عن الأول بمد لكل يوم، ويكفر عن هذا بكفارة العمد عن كل يوم، إلا أن يعذر بجهل؛ وقال أشهب: إنه لا كفارة عليه؛ لأنه قد صامه ولم يفطره- وإن كان لا يجزئه صيامه، وأما كفارة المفرط في الأولى، فيجب عليه إن كان صحيحا مقيما ففرط حتى دخل عليه هذا الرمضان؛ ووقع لابن القاسم في المدونة أنه يجزئه، وعليه قضاء رمضان الآخر- بفتح الخاء- على أنه يجزئه عن هذا الرمضان، ولا يجزئه عن القضاء، وهو الذي يدل عليه لفظه واحتجاجه، إلا أنه بعيد في المعنى أن يجزئه عنه- وهو لم ينوه بصيامه، وروي الآخر بكسر الخاء على أنه يجزئه عن القضاء، ولا يجزئه عن هذا الرمضان؛ وهو أشبه في المعنى؛ لأنه نوى به القضاء، ولم ينو به هذا الرمضان، إلا أنه بعيد مما يدل عليه لفظه، والصحيح الذي يوجبه النظر ما تقدم: ألا يجزئه عن واحد منهما. ولقد روي عن ابن القاسم فيمن صام رمضان في سفر قضاء عن غيره، أنه لا يجزئه، فكيف بمن صامه عنه في حضر، ورأى غيره أنه يجزئه إن فعل- وإن كان ذلك يكره له- وهو القياس؛ لأن له فطره؛ ولو نواه عنهما جميعا، لوجب أن يجزئه عن هذا الرمضان، ولا يجزئه عن القضاء؛ لأنه صامه عما وجب عليه أن يصومه له، فلا يفسد نيته ما زاد فيها مما لا يجوز له من نية القضاء، وهو قول ابن حبيب في الواضحة؛ وقد روي عن أشهب: أنه لا يجزئه عن واحد منهما. وأما إذا خلط النيتين في الحج والنذر، فقال مالك: إنه يجزئه عن النذر. وقال المخزومي: إنه يجزئه عن الفرض. واختلافهما جار على الاختلاف في الحج: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ ولم يقل أحد فيما علمت أنه لا يجزئ عن واحد منهما، وهذا يقضي بصحة قول ابن حبيب: إنه إذا صام رمضان ينوي به صيامه وقضاء غيره، أجزأه عن الفرض، ولم يجزه عن القضاء، خلاف قول أشهب.

.مسألة صام يوما متطوعا ثم أفطر من غير عذر:

وقال: إذا صام الرجل يوما متطوعا ثم أفطر من غير عذر، كان عليه قضاؤه. ثم إن أفطر أيضا يوم القضاء من غير عذر، كان عليه قضاء يومين، يقضي يوما لليوم الأول الذي كان ابتدأ صيامه، ويوما لليوم الثاني الذي كان يصومه للقضاء؛ قال: فأما الذي يفطر في رمضان من مرض، أو سفر، ثم يقضي صيامه، فيفطر يوما من أيام القضاء بعدما أصبح صائما للقضاء، فإنما عليه أن يقضي يوما مكانه؛ ثم إن أفطر في قضاء القضاء، كان عليه مكانه صيام يومين؛ قال: وأما الحج فمجمع على الذي يفسد حجة بإصابة النساء ثم يحج قابلا ويهدي مكان ما أفسد من حجه أنه إن أفسد الحجة الثانية بإصابة النساء، كان عليه أن يقضي حجتين مستقبلتين، ويهدي هديين لكل حجة أفسدها.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: أنه فرق بين قضاء التطوع وقضاء رمضان، وبين قضاء رمضان وقضاء قضائه؛ فأوجب في فطر قضاء التطوع يومين، وفي فطر قضاء رمضان يوما واحدا، وفي قضاء قضائه يومين فجعل قضاء قضاء رمضان كقضاء التطوع، بخلاف قضاء رمضان، ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره في هذا، إذ لا فرق في المعنى، والقياس بين قضاء رمضان وقضاء التطوع، ولا بين قضاء قضاء رمضان، وقضاء قضاء التطوع.
فمعنى قوله في الذي يفطر يوما من أيام قضاء رمضان، إنما عليه أن يقضي يوما مكانه، يريد لفطره يوم القضاء، مع أن عليه يوما آخر لرمضان سكت عنه للعلم بوجوبه عليه، فالمفطر على هذه الرواية متعمدا في قضاء رمضان، كالمفطر متعمدا في قضاء التطوع، يجب عليه يومان هاهنا، ويومان هاهنا؛ يوم لفطره في القضاء، واليوم الذي كان وجب عليه- لإفطاره في رمضان، أو لإفطاره متعمدا في التطوع، ثم إن أفطر بعد ذلك متعمدا في قضاء القضاء، كان عليه صيام ثلاثة أيام، اليوم الذي كان ترتب في ذمته بالفطر في رمضان، أو بالفطر متعمدا في صيام التطوع؛ ويوم لفطره في القضاء متعمدا، ويوم لفطره في قضاء القضاء متعمدا، وقد روى عن ابن القاسم: أنه ليس عليه في ذلك كله إلا يوم واحد، وهو اليوم الذي وجب عليه لفطره في رمضان، أو لفطره في صيام التطوع- معتمدا، ولا شيء عليه لفطره متعمدا في القضاء، ولا في قضاء القضاء- قاله في سماع عيسى من كتاب الحج، وإليه ذهب أصبغ، وضعف قول من أوجب القضاء في القضاء أو في قضاء القضاء، ورأى ذلك في الحج استحسانا، ورأى قول ابن القاسم وروايته عن مالك في ذلك وهما وخطأ، وقع ذلك في بعض روايات المستخرجة، ووجه القول الأول، أنه لما دخل في القضاء، أو في قضاء القضاء، لزمه إتمامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]. فوجب عليه إن أفطره متعمدا قضاؤه؛ ووجه القول الثاني أنه لم يجب عليه إتمامه إلا على الوجه الذي دخل فيه من القضاء، فإن أفطره متعمدا، لم يجب عليه إلا القضاء الذي كان عليه؛ فعلى القول الأول لو دخل في القضاء ثم علم أنه ليس عليه شيء يجب عليه إتمام صيامه، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ وعلى القول الثاني لا يجب عليه إتمامه، وهو قول أشهب في المدونة أيضا.

.مسألة تأخير قضاء رمضان:

من سماع سحنون من عبد الرحمن بن القاسم:
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سئل مالك: عن الذي يكون عليه صيام رمضان، وصيام تمتع، ويحضره رمضان آخر، قال: إن كان يقدر على أن يصوم صيام التمتع ورمضان قبل أن يدخل الآخر، بدأ بالتمتع، وإن لم يطمع بذلك، بدأ برمضان، ثم قضى التمتع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة المدونة، وإنما قال إنه يبدأ بالتمتع إذا اتسع الوقت له وللقضاء؛ لأن الاختيار ألا يفارق بين الثلاثة الأيام والسبعة بصيام، لقوله عز وجل: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]... الآية. وفي تأخير قضاء رمضان إلى الرمضان الذي بعده سعة، لقول عائشة: إن كان ليكون علي الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان. وأما إذا ضاق الوقت عن أحدهما، فالبداية بقضاء رمضان أوجب؛ لأنه قد تعين في هذا الوقت، ألا ترى أنه إن أخره عنه، وجب عليه الإطعام.

.مسألة الحج يفسده صاحبه فيحج حجة أخرى قضاء منها فيفسدها أيضا:

قال ابن القاسم: قال مالك: من كان عليه قضاء صيام يوم، فصامه فأكل فيه- متعمدا، كان عليه قضاؤهما.
قال ابن القاسم: وكذلك الحج يفسده صاحبه، فيحج حجة أخرى قضاء منها فيفسدها أيضا- إن عليه حجتين: واحدة للأولى، وأخرى للأخرى، وهذا بين. قال ابن وهب: ليس عليه إلا حجة واحدة، وهديان: هدي لكل حجة أفسدها.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية القضاء في القضاء، ولم يفرق بين أن يكون القضاء الذي أفطره- متعمدا من رمضان، أو من تطوع، إذ لا فرق بينهما على ما بيناه في سماع يحيى؛ وساوى بين الحج والصيام، وفرق بينهما على الرواية الثانية في سماع عيسى من كتاب الحج، إذ لم يختلف قوله في الحج، كما اختلف في الصيام؛ وقد قال في سماع يحيى: إن الحج مجتمع عليه- يريد من قول مالك وابن القاسم، إذ قد خالف فيه ابن وهب. ووجه الفرق بينهما: أن الله قد نص على وجوب إتمام الحج والعمرة بقوله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. ولم ينص على وجوب إتمام الصيام، وإنما أوجب بالقياس- وبالله التوفيق.

.مسألة نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه أبوه أبدا:

وسئل: عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، مثل أبيه أو أخيه، فيأتي أبوه أو أخوه فينسى اليوم الذي قدم فيه؟ قال: أرى أن يصوم آخر أيام الجمعة- وهو يوم الجمعة؛ لأن أول الجمعة السبت.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة: أنه نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه أبوه أبدا، فلهذا جعله أن يصوم آخر أيام الجمعة- يريد أبدا، ليكون في معنى القاضي، وقد قيل: إنه يصوم الدهر. وقيل: إنه يصوم أي يوم شاء من الجمعة أبدا؟ اختلف في ذلك قول سحنون، وصيام الدهر هو القياس؛ ليأتي على شكه، كمن شك في صلاة من يوم لا يدري أي صلاة هي- أن عليه أن يصلي خمس صلوات، فصيام آخر يوم من الجمعة رخصة، لما جاء من كراهة بعض العلماء صيام الدهر، لما جاء في ذلك عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- من قوله: «لا صام ولا أفطر من صام الدهر». يريد: ما أفطر إذ لم يأكل، ولا صام إذ لم يؤجر. وأما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه خاصة، لم يجب عليه قضاؤه، إذ قد مضى اليوم الذي نذره، أو قد جاز له الفطر- إن كان قد قدم نهارا، على ما في المدونة. وقال أشهب: يقضيه، ويقضيه على مذهبه، ومذهب ابن القاسم- إن كان يقدم ليلا- أي يوم شاء؛ ولا وجه لتأخيره إلى آخر أيام الجمعة، ولا اختلاف في هذا، فتدبره.

.مسألة صام رمضان كله من أوله إلى آخره وهو جنب لم يغتسل فيه:

قيل لسحنون: أرأيت من صام رمضان كله من أوله إلى آخره، وهو جنب لم يغتسل فيه، هل يجزئه صيامه؟ قال لي: نعم يجزئه صيامه، وإن كان عامدا لم آمره أن يعيد- وقد أخطأ، وظلم نفسه- والله أعلم، وأما الصلاة فلابد من الإعادة لها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، والأصل فيه ما ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصبح جنبا، ثم يصوم ذلك اليوم- وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة نذر أن يصوم الدهر كله فأفطر يوما:

وسئل سحنون: عمن نذر أن يصوم الدهر كله، فأفطر يوما؛ قال سحنون: إن أفطره ناسيا، أو من عذر، فلا شيء عليه؛ وإن أفطره من غير عذر، فعليه الكفارة، قيل: وما الكفارة؟ قال: إطعام مد، أخبرنيه أبو زيد عن ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه: أن عليه إطعام ستين مسكينا، ووجه هذا: أنه لما أفطر متعمدا ما لا يجد له قضاء، أشبه الفطر في رمضان متعمدا في أنه لا يجد له قضاء؛ إذ قد جاء أنه لا يقضيه بصيام الدهر- وإن صامه. ووجه القول الأول: القياس على كفارة التفريط؛ لأنها كفارة وجبت للفطر- متعمدا في موضع لا يجوز فيه الفطر، وهذا أفطر متعمدا في موضع لا يجوز فيه الفطر، واختلف فيمن نذر صيام الدهر، فلزمه صيام ظهار، أو كفارة يمين، قال ابن حبيب: يصوم ذلك ولا شيء عليه. وقال سحنون: يصوم ويطعم عن كل يوم مدا. ومثل قول ابن حبيب في سماع أصبغ من قوله وروايته عن ابن القاسم في رسم الجامع في بعض الروايات- وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يبيت الصيام في السفر ثم يفطر:

من سماع موسى من ابن القاسم:
قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم: سألت مالكا غير مرة عن الرجل يبيت الصيام في السفر، ثم يفطر بالطعام؛ وفي بعض سؤالي إياه أقول له: ويرى المسافر أن الفطر له واسع، فيفطر على ذلك؛ قال مالك: أرى عليه الكفارة. وكذلك أن لو وطئ، قال ابن القاسم: والوطء لا يكون أشد من الطعام في شيء من رمضان، وسمعت الليث يرى ذلك أيضا، ويقول: عليه الكفارة في المسافر يبيت الصيام ثم يفطر.
قال محمد بن رشد: هذا يبين مذهب مالك في المدونة أن عليه القضاء والكفارة- وإن كان متأولا، وفي المدنية لمالك: أنه لا كفارة عليه- وإن كان متعمدا من غير عذر، مثل قول ابن كنانة والمخزومي في المدونة، وأشهب يرى عليه الكفارة، إلا أن يكون متأولا؛ وهذا هو أظهر الأقوال، لحديث النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «أنه خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس»... الحديث.

.مسألة التبييت في كل ليلة في صيام رمضان للمسافر:

قال: ولا يجزئه الصيام في السفر إلا أن يبيته في صيام رمضان.
قال محمد بن رشد: معناه أنه لا يجزئه الصيام في السفر في رمضان، إلا أن يبيته في كل ليلة- ولو نوى أن يتابع الصيام في سفره؛ وأما إذا لم ينو متابعة الصيام، فلا اختلاف في أنه لابد له من التبييت في كل ليلة، وفي المبسوطة لمالك: لا تبييت على من شأنه سرد الصيام، ومثله في الواضحة. وقال أبو بكر الأبهري، ومحمد بن الجهم: هذا استحسان. والقياس أن عليه التبييت في كل ليلة لجواز الفطر له، فما في المبسوطة لمالك، خلاف قول مالك في هذه الرواية، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم تسلف من سماع عيسى- وبالله التوفيق.

.مسألة كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها فنزلت في حلقه حال صيامه:

من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب الزكاة والصيام:
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول، فيمن كانت في فيه نواة أو حصاة يعبث بها، فنزلت في حلقه: إنه لا قضاء عليه في صيام النافلة، وفي الذباب يدخل الحلق وينزل إلى الجوف ولا يستطيع رده، فلا قضاء عليه لا في النافلة ولا في الفريضة؛ وليس ذلك بمنزلة النواة يعبث بها يقضي في النواة في الفريضة، وعليه الكفارة مع القضاء، وليس هذا بتأويل أحد يسقط به الكفارة، وهذا تأويل خطأ، وقاله أصبغ؛ وذلك إذا عبث بها وتهاون حتى يبتلعها، فهو بمنزلة المتعمد، والمتعمد عليه في تعمده هذا- القضاء والكفارة؛ وذلك أن للنواة غذاء، وكذلك الطين في هذا؛ وأما الحصاة فإن كان في فريضة وكان ساهيا فلا شيء عليه؛ لأن الحصاة ليس يصير لها غذاء، لا تذبل في الجوف كذبول النواة، وهي بمنزلة الدينار والدرهم يبتلعهما ساهيا، فلا شيء عليه؛ وإن تعمد شيئا من ذلك، كان عليه القضاء في الفريضة للتهاون، وعظم حرمة الفريضة وحقها- احتياطا عليه؛ وكذلك اللوزة الصحيحة، والجوزة، والفستقة بقشرها، تجري مجرى الحصاة والدينار، والدرهم.
قال محمد بن رشد: قوله في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه، أنه لا قضاء عليه في صيام النافلة- معارض لقوله: إن عبث بها فنزلت في حلقه في الفريضة كانت عليه الكفارة مع القضاء، وإن كان ساهيا فعليه القضاء، فكان يجب على قوله في الفريضة، أن يجب عليه القضاء في النافلة، وعلى قوله في النافلة ألا يجب عليه في الفريضة- الكفارة في العمد، ولا القضاء في السهو، وهذا كله خلاف أصل ابن الماجشون في الواضحة، إذ لم يفرق في شيء من هذا بين ما له غذاء مما ليس له غذاء، وقال: لم يؤخذ هذا من جهة الغذاء، وإنما أخذ من أن حلق الصائم مما لا تجاوزه شيء، فإن كان ناسيا في شيء من ذلك كله، كان عليه القضاء، وإن كان عامدا، كان عليه القضاء والكفارة؛ وقال: على هذا الأصل في الذباب يبذر في الحلق، أن عليه القضاء. ثم خالف أصله هذا، فقال: فيما بقي بين أسنانه من بقية طعامه كحبة التينة، وفلقة الجريدة، فابتلعه في نهاره- ناسيا، أو متعمدا، فلا شيء عليه؛ لأنه ابتدأ أخذ ذلك في وقت يجوز له، وكذلك قال في النخامة: إنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها- ساهيا كان، أو متعمدا- بعد فصولها، أو قبل فصولها، وقال: إن كل ما وجب فيه في الفريضة القضاء والكفارة، وجب فيه في النافلة القضاء، وما لم يجب في الفريضة إلا القضاء، فلا يجب فيه في النافلة قضاء، ولم يلزم ابن القاسم هذا الأصل، فقال في النواة يعبث بها فتنزل في حلقه: إنه لا قضاء عليه في النافلة، وعليه في الفريضة القضاء والكفارة، وقال: إن من استقاء- طائعا، فعليه القضاء في الفريضة والنافلة، ووافق ابن القاسم فيما روى عنه أصبغ في بعض روايات العتبية في النخامة أنه لا شيء عليه في ابتلاعه إياها عامدا. وقال ابن نافع: عليه القضاء وهو يفطره.

.مسألة أتعب الصائم الحر أو العطش في رمضان:

قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإن أتعب الصائم الحر، أو العطش في رمضان، فأرجو أن يكون في سعة من الفطر، إذا كان قد بلغ ذلك منه، ولم يقو؛ وقاله أصبغ في سفر كان، أو في حضر- إذا بلغ منه المجهود والخوف على نفسه الموت أو المرض.
قال محمد بن رشد: أما إذا خاف على نفسه الموت مما بلغه، فلا اختلاف في جواز الفطر له، واختلف إذا خاف المرض، فقيل له أن يفطر، وقيل: ليس له أن يفطر لما يخاف من المرض، ولعله لا ينزل به؛ واختلف إذا أفطر، فقال سحنون: يأكل بقية يومه؛ لأنه قد جاز له الفطر، ورواه داود بن سعيد عن مالك، وقال ابن حبيب: لا يفطر إلا بقدر ما يرد به رمقه، ويمسك؛ فإن أفطر بعد ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه قد دخل في حد المريض- وبالله التوفيق.

.مسألة يصيبه الضربان من الخوى هل يفطر رمضان:

قال ابن القاسم في الذي يصيبه الضربان من الخوى، فهو مرض من الأمراض إذا جاءه من ذلك ما يحتاج معه إلى الفطر في رمضان، فذلك له؛ لأنه مرض من الأمراض.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم سلف من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول فيها، وبالله التوفيق.

.مسألة النصرانية تحت المسلم أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينه:

ومن كتاب الجامع:
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن النصرانية تحت المسلم: أيفطرها في صومها الذي تصومه مع أهل دينها؟ قال: لا أرى أن يكرهها على ما عليه أهل دينها وملتها، يعني شرائعها، ولا على أكل ما يجتنبون في صيامهم، أو ما يجتنبون أكله رأسا، ليس ذلك له في القضاء؛ قال أصبغ: ولا عليه منعها إياه كرها، ولا له، وقد قال الله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، وقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] حتى بلغ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6].
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، أنه ليس له أن يمنعها مما تتشرع به، واختلف: هل له أن يمنعها من شرب الخمر، وأكل الخنزير، والذهاب إلى كنيستها، فقال في المدونة: ليس له أن يمنعها من ذلك، وقال في كتاب ابن المواز: له أن يمنعها من أكل الخنزير، وشرب الخمر؛ لأن ذلك ليس من دينها، وله أن يمنعها من الكنيسة إلا في الفرط.